الشيخ السبحاني

56

الوسيط في أصول الفقه

ثمّ إنّه أورد على كون صحّة الحمل علامة بأُمور نذكر منها أمرين أحدهما في المتن والآخر في الهامش : الأوّل : انّ الاستكشاف والاستعلام حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع السابق على الحمل ، فيكون إسناده إلى الحمل في غير محلّه . « 1 » يلاحظ عليه أوّلًا : أنّه إنّما يرد إذا كان المستعلم عن طريق صحّة الحمل من أهل اللسان ، فيتقدم التبادر عنده على صحّة الحمل دون ما إذا لم يكن من أهله فليس عنده تبادر حتى يتقدم على صحة الحمل ، ومن صحّ عنده الحمل ، بما انّه ليس بصدد استكشاف المعنى ، غافل عن تبادره . وثانياً : سلمنا انّ المستعلم من أهل اللسان لكنّه إنّما يرد إذا كان زمان الاستكشاف مقارناً لزمان الحمل فيسبقه التبادر ويغني عن غيره . وأمّا إذا كان زمان الحمل مقدماً على زمان الاستكشاف كما إذا ألقى محاضرة واشتملت على أحد الحملين من دون أن يكون بصدد استكشاف المعنى الموضوع له ، ثمّ صار بصدد الاستكشاف فرجع إلى خطاباته ومحاضراته ورأى أنّ حمل المحمول بما له من المعنى الارتكازي على الموضوع متلائم جداً ، فيستكشف انّ الموضوع الذي حمل عليه اللّفظ ، هو المعنى الحقيقي . « 2 »

--> ( 1 ) . تهذيب الأُصول : 58 / 1 . ( 2 ) . الثاني : ما يقال انّ صحّة الحمل إنّما تكون علامة على كون المحمول عليه ، هو نفس المعنى المراد في المحمول أو مصداق المعنى المراد ، امّا انّ هذا المعنى المراد في جانب المحمول هل هو معنى حقيقي للّفظ أو مجازي ؟ فلا سبيل إلى تعيين ذلك عن طريق صحّة الحمل ، بل لا بدّ أن يرجع الإنسان إلى مرتكزاته لكي يعيّن ذلك . ( 1 ) يلاحظ عليه : هذا الشرط أنّ كون المعنى المراد في جانب المحمول معنى حقيقي ، حاصل وذلك من خلال كون الحمل عارياً عن كلّ شرط ويكفي هذا في كون المعنى حقيقياً ، بخلاف المعنى المجازي فلا يصحّ الحمل إلّا مع شرطين : الأوّل : وجود الادّعاء المصحّح للاستعمال ، وانّ هذا هذا أو من مصاديقه . الثاني : كون المقام مناسباً لإعمال الادّعاء دون ما إذا لم يكن . وهذان الشرطان متوفران في قوله سبحانه : ( وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) ( يوسف : 31 ) حيث تخيّل للنساء الجالسات انّ فتى امرأة العزيز قد ارتقى من الجمال بمكان صيَّره ملكاً . وبما انّ المفروض كون الحمل فاقداً لكلّ من الشرطين يثبت كون المعنى المراد في جانب المحمول معنى حقيقياً . 1 . دروس في علم الأُصول : الحلقة الثانية : 87 .